ابن عجيبة
480
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عقولهم ، فلا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ يحيى من يريد إظهاره للدنيا ، ويميت من يريد نقله للآخرة ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالموت والنشور ؛ لأن من قدر على الإيجاد والإعدام في الدنيا قدر عليها في العقبى ؛ لأن القادر لذاته لا تزول قدرته ، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبدا . ه . من البيضاوي . الإشارة : ما وعد به الحق سبحانه القاصدين إليه من الوصول والمعرفة به حق ، إن وفوا بشرطه ، وهو صحبة من يوصل إليه ، مع الصدق والتعظيم ، وإخلاص القصد ، هو يحيى قلوبا بمعرفته ، ويميت قلوبا بالغفلة والجهل به ، وإليه ترجعون ، فيظهر العارف من الجاهل والذاكر من الغافل . فهذه موعظة لمن اتعظ ، كما قال تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قلت : ( بفضل اللّه ) يتعلق بمحذوف ، يفسره ما بعده ، أي : ليفرحوا بفضل اللّه ، أو بقوله « فليفرحوا » . وكرر قوله : ( فبذلك ) تأكيدا ، والفاء بمعنى الشرط ، كأنه قال : إن فرحوا بشئ فبهما فليفرحوا . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى القرآن العظيم ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ من الشك والجهل ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ هداية في بواطنهم بأنوار التحقيق ، ورحمة في ظواهرهم بآداب التشريع . قال البيضاوي : قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية « 1 » ، الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها ، والراغبة في المحاسن ، والزاجرة عن القبائح ، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد ، وهدى إلى الحق واليقين ، ورحمة للمؤمنين ؛ حيث أنزلت عليهم فنجوا من ظلمات الضلال بنور الإيمان ، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان . والتنكير فيها للتعظيم . ه . قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ أي : بمطلق الفضل والرحمة ، فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا لا بغيره ، أو الفضل : الإسلام ، والرحمة : القرآن . وقرأ يعقوب بتاء الخطاب ، وروى مرفوعا ، ويؤيده قراءة من قرأ : « فافرحوا » ، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
--> ( 1 ) في الأصول : « العلمية » والمثبت هو الذي في البيضاوي ؛ وهو أنسب بالسياق .